العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة


العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة
عبد الوهاب المسيري 
 قد يكون من المفيد أن نذكر أنفسنا بحقيقة بديهية، وهي أن كل الأشياء والظواهر والأفكار المحيطة بنا، المهم منها والتافه، تجسد نموذجا حضاريا متكاملا، وتستند إلى رؤية شاملة تحوي داخلها إجابة عن الأسئلة الكلية النهائية التي تواجه الإنسان، فإن كانت هذه الأشياء (مثل الهامبورجر والتي شيرت) والظواهر (مثل الانتقال من القرية إلى المدينة) والأفكار التي قد تبدو بريئة (مثل الدعوة إلى اقتصاديات السوق) تجسد رؤية علمانية أو حتى تخلق تربة خصبة لنمو موقف علماني من الحياة، فإنها ستقوم بإعادة صياغة وجدان وأحلام ورغبات الناس (حياتهم الخاصة) وتعلمنهم بشكل شامل كامل، دون أن يشعروا بذلك، من خلال عمليات غاية في التركيب والكمون.

وقد نجم عن ذلك أن رصد الواقع يتم دون وجود نموذج تفسيري مركب شامل، قادر على الإحاطة بكل أبعاده وجوانبه في تداخلها وتشابكها وتطورها وتحولها، ولذا، فواقعنا يواجهنا كأنه مجموعة من الظواهر التي لا يجمعها جامع. فلننظر إلى تاريخ الأدب الغربي على سبيل المثال منذ نهاية العصور الوسطى. سنجد في حكايات كانتربري لتشوسر ثم في مسرحيات شكسبير (وكورنيل وراسين)   في عصر النهضة شخصيات ذات أبعاد إنسانية وبطولية مركبة تشغل مركز الكون. قد ينتابها الشك وقد ترتكب أفعالًا مأساوية تودي بها إلى التهلكة، لكنها مع هذا تظل ذات مرجعية إنسانية (تؤمن بمسئولية الإنسان عن أفعاله وبمقدرته على التجاوز وعلى السقوط)، وتدور في إطار منظومات قيمية ومعرفية، قد تخرقها وتتمرد عليها، لكنها مع هذا تظل الإطار النهائي لأفعالها. ويستمر وجود هذا الإنسان في أدب القرن الثامن عشر والتاسع عشر (وردزورث - فيكتور هوجو - ديكنز - دوستويفسكي - تولستوي). وإن كان يلاحظ تزايد معدلات الفردية والحتمية في الوقت نفسه ومعها معدلات التهميش، إلى أن ندخل القرن العشرين فيكتب ت. س. إليوت الأرض الخراب (ملحمة القرن العشرين في رأي البعض) حيث يختفي الأبطال تمامًا، ويختفي الإنسان الإنسان، ويظهر بدلاً من ذلك "الرجل الجُوف" الذين يعيشون في أرض مجدبة، ويتحركون بلا اتجاه مثل الذرات المتناثرة، وفي عزلة قاتلة، خاضعين في الوقت نفسه لحتميات عديدة صارمة. ويكتب كافكا قصصه العديدة، حيث يخضع الإنسان تمامًا إلى حتميات لا يفهم كُنَهها فيتحول إلى صرصار ويُحاكم ويُعدم لسبب لا يعرفه. ثم يأتي مسرح العبث حيث تجلس الشخصيات في إحدى المسرحيات في صندوق قمامة في انتظار جودو الذي لا يأتي. ثم يكتب أنطوان أرتو (صاحب مسرح القسوة) قصيدة عبارة عن أصوات خالصة بلا معنى .. ألا يمكن القول إن تحوَّل الإنسان إلى ذرات متناثرة ثم إلى صرصار، وجلوسه في صندوق قمامة ينتظر من لا يجئ، وخضوعه للحتميات المختلفة، وتحوُّل اللغة الإنسانية إلى مجرد أصوات لا مرجعية لها - هي عملية تفكيك لهذا الإنسان وإزاحته من المركز ونزع القداسة عنه؟ وإلا .. فما اسم هذا النمط العام؟! وما تعريفه؟! 
وهل يختلف هذا كثيرًا عما يحدث في إحدى قصائد الشاعر المصري أمل دنقل "يوميات كهل صغير السن" التي يقول فيها: "
وعندما لمستها: تثلجت أطرافهُا الوجلَى
وانفلتت عجلى ..
كأنها لم تذق الحب .. ولم يثر بصدرها التنهدات. 
انظر كيف يتسرب العدم والحياد إلى علاقات البشر! انظر كيف ينفرط العقد وتتناثر الذرات في عالم لا تواصل فيه ولا حب، فتكتسب التفاصيل الجسدية المادية مركزية مرعبة: 
قالت إن حبالي الصوتية تقلقها عند النوم
وانفردت بالغرفة. 
في الماضي، كنا نسمع صوت المحبين يشدون بالغناء، أما الآن "فالحبيبة لا تسمع سوى "شخير" حبيبها، وهو بدوره لا يسمع إلا ثرثرتها اليومية المثابرة بينما تصب شايًا فاترًا في الأكواب، شايًا مثل العالم المحايد الذي يعيش فيه (لا هو حار ولا هو بارد)، ثم يموت كل شيء!
العالم في قلبي مات
لكني حين يكف المذياع، وتغلق الحجرات
أخرجه من قلبي، وأسجيه فوق سريري
ويمكن أن نطرح السؤال التالي: هل لهذا كله علاقة بتطور الفلسفة الغربية؟ 
لقد بدأت هذه الفلسفة في عصر النهضة الغربي بظهور الفلسفة الإنسانية الهيومانية -هيومانيزم- التي همشت الإله ووضعت الإنسان في مركز الكون، وجعلته المعيار الأوحد، مقياس كل شيء، مرجعية ذاته. ولكن في المرحلة نفسها ظهر إسبينوزا الذي حول العالم إلى منظومة واحدية ريايضة مصمتة، الإله فيها هو الطبيعة (باللاتينية: ديوس سيفي ناتورا، والتي تعني حرفياً "الإله وبالأحرى الطبيعة"). والإنسان في إطار هذه المنظومة لا يختلف في أساسياته عن أي شيء آخر في الكون، فمرجعيته النهائية هي الطبيعة/المادة، وقوانينه هي قوانين الطبيعة والمادة. وقد كانت منظومة متفائلة جداً، إذ يبدو أن إسبينوزا وجد أن هذه الحركة الرتيبة الآلية ذات المرجعية المادية التي تسم عالمه، ستحقق السعادة للبشر بشكل ضمني عن طريق امتزاج الجزء الإنساني بالكل الآلي المادي، وعن طريق ذوبانه فيه. ولكن.. ألا يشكل ذوبان الحزء الإنساني، في الكل المادي تفكيكًا للإنسان لأن الإنسان بهذه الطريقة يُرد إلى من هو دونه؟!
ثم جاء نيتشه واكتشف أن العالم الذي يصبح الإله فيه قانوناً طبيعياً وتتحكّم فيه حركة المادة هو عالم موت الإله، أي أنه عالم مادي تمامًا لا قداسة ولا ضمان فيه لأي شيء، عالم خالٍ من المعنى، محايد، لا قيمة فيه ولا غاية ولا سبب ولا نتيجة، لا كليات فيه ولا مطلقات، ومن ثمّ، لا يبقى سوى إرادة القوة وعالم داروين الذي يتجاوز الخير والشر، وفيه تحسم الأمور ببساطة البارود وسذاجته. ولكن رغم كل هذا يظل عالم نيتشه عالمًا مأساويًا متشائمًا، يشعر الإنسان فيه بالضياع وغياب الأمن، ولذا، ترد عبارة "لقد مات الإله" على لسان المجنون الذي يجري في السوق محتجًا صارخًا متسائلًا: كيف تأتى للإنسان أن يمحو الأفق، ويجفف البحار، بحيث أصبح العالم من حولنا مادةً محضًا لا أسرار فيها ولا قداسة؟!"
فالضمير يعني أن ثمة شيئاً ما غير مادي، كامنًا في الإنسان، يدفعه نحو الخير، وهو إن لم يتجه نحو الخير. كما يملي عليه ضميره، فإنه يشعر بالذنب وبأنه أنكر بُعداً أساسياً من وجوده
تجريد النموذج الكامن
المصطلحات التي أدرجناها في هذا الفصل وفي الفصل السابق وصفية كانت أم نقدية، تفكيكية كانت ام احتجاجية - هي مصطلحات تصف الظاهرة نفسها، ولكن كلا منها ينظر إليها من زوايا مختلفة، وهي تخضع لنمط واحد وإن كانت تجلياته مختلفة. وسنقوم الآن بوصف السمات الأساسية لهذا النمط، مستخدمين معظم المصطلحات التي قمنا بتفكيكها وتركيبها، على النحو التالي: 
1- ينتقل مركز الكون من الإنسان (المتجاوز، متعدد الأبعاد، المسئول أخلاقيًا) إلى الطبيعة/المادة (المبرمَجة، الحتمية، الخاضعة لقانون واحد صارم) أو أية تنويعات عليها (مثل: الشيء -السلعة -السوق/المصنع - الدولة - العقلانية التكنولوجية - الكقاءة البيروقراطية والتكنوقراطية - النماذج الكمية). 
2- تُلغة ثنائية الإنسان والطبيعة، وتسود الواحدية المادية، إذ إن ثمة قوانين عامة (طبيعية/مادية) تسري على الإنسان سريانها على  الطبيعة، أي أن الإنسان يتم تفكيكه ورده إلى عالم الطبيعة/المادة ويتم استيعابه تمامًا فيها (أي يتم تطبيعه وتحييده)، فتختفي المنظومات القيمية والمعرفية الإنسانية المستفلة عن عالم الطبيعة/المادة المقصورة على الإنسان.
3- يفقد الإنسان أي تميز، ويزاح عن المركز، وتنزع عنه القداسة، ويجرد من خصائصة الإنسانية، وتسقط عنه السمات الشخصية، ويصبح وسيلة لا غاية، وتتم حوستله، كما يتم ترشيده والتوحيد بينه وبين بقية الكائنات الطبيعية/المادية
4- تخضع الأشياء كافة (ومنها الإنسان) لمنطق العلوم الطبيعية، والنماذج الكمية الرياضية (منطق الأشياء)، ليصبح عقله نفسه علاً أداتيًا قادرًا على التفكيك، غير قادر على التركيب أو الوصول إلى جوهر الطبيعة الإنسانية، فيدخل الإنسان القفص الحديدي. أي أنه يدخل عالم الحسابات (في الإطار المادي)، حيث تتم برمجة الأشياء كافة والتحكم فيها، فتسود العلاقات التعاقدية المحسوبة في المجتمع، وتختفي العلاقات التكافلية التراحمية، ويتم تشييء الإنسان وتسليعه. 
5-  الإنسان لا يتسم بالثنائية أو بالتكامل أو التركيب أو بالمقدرة على التجاوز؛ فهو كائن بسيط، ذو بعد واحد، وظيفي، منمط مبرمج، جزء لا يتجزأ من المادة، مغترب عن جوهره الإنساني. 
6- الطبيعة نفسها يتم تحريرها من سحرها وجلالها، وينزع السر عن كل الظواهر، فكل الأمور (في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير) طبيعية/مادية. كل الأمور نسبية. ولذا، يتحول العالم إلى ساحة صراع. الإنسان فيها ذئب لأخيه الإنسان، والبقاء فيها للأصلح. ويصبح عالمًا يتسم بغياب المعيارية، عالم الاستنارة المظلمة. 
7-العالم (الإنسان والطبيعة) عالم واحدي، متشابهة أجزاؤه، لا فارق فيه بين المقدس والزمني، لا غاية له ولا هدف ولا معنى، ويمكن معرفته والتحكم فيه من خلال هذه المعرفة. وهو مادة استعمالية يمكن توظيفها ونقلها (تراسنفير) وحوسلتها. والإمبريالي، صاحب القوة، هو وحده القادر على غزو العالم وتوظيفه لحسابه (تناولنا الترانسفير وعلاقة الإمبريالية بالعلمانية الشاملة في فصول تالية)
8- تتلاقى المجتمعات جميعاً (في نهاية الأمر) لتخضع لنموذج الطبيعة/المادة، وتتزايد معرفة الإنسان بقوانين الطبيعة حتى تسود العقلانية التكنولوجية وينتهي التاريخ. 
9- رغم كل هذا.. لا يستسلم الإنسان تمامًا، فالإله الخفي داخله يجعله يدرك إمكاناته، ومن ثم يدرك أزمة المعنى. وقد يسقط في العدمية إن لم يتوصل إلى بديل لنموذج الواحدية المادية.
وتشير ملامح النموذج الذي جردناه من المصطلحات المختلفة إلى أن ثمة نمطًا متكررًا ونموذجًا كامنًا تم رصده من قِبَل كثير من المفكرين والأدباء الغربيين (من المدافعين عن التجربة الغربية في التحديث دون تحفظ، ومن المتحفظين عليها لإدراكها بعض جوانبها المظلمة التفكيكية)، وإلى أن هذا النموذج هو نفسه (في واقع الأمر) العلمانية الشاملة -رغم أن أحداً لم يُسمها كذلك -. وما فعلناه نحن هو أننا طرحنا جانبًا التعريفات التي وردت في المعجمين العربيين اللغوي والحضاري، ودرسنا وصف هؤلاء المفكرين لمعالم النموذج المتحقق في المجتمعات العلمانية الغربية الحديثة، وكذلك المصطلحات التي استخدموها في عملية الوصف هذه. ثم قمنا بعملية تفكيك وإعادة تركيب لها لنبرز ونوضح أبعادها المعرفية (الكلية والنهائية)، والنموذج الكامن وراءها، حتى نبين الوحدة الكامنة وراء التعدد. أي أن تعريفنا للعلمانية، وللنموذج التحليلي التفسيري المركب الشامل الذي نقترحه، موجود بشكل كامن في الأدبيات الغربية، وفي كثير من الظواهر الصحية والمرضية في المجتمعات الغربية. 

العلمانية الجزئية: رؤية جزئية للواقع (برجماتية - إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية (المعرفية)، ومن ثم لا تتسم بالشمول. وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة وربما الاقتصاد، وهو ما يعبر عنه بعبارة "فصل الدين عن الدولة". ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة. كما أنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية وربما دينية، أو وجود ما ورائيات وميتافيزيقا. ولذا، لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية. كما أنها رؤية محدَدة للإنسان. فهي قد تراه إنساناً طبيعيًا/ماديًا في بعض جوانب حياته (رقعة الحياة العامة) وحسب، ولكنها تلزم الصمت فيما يتصل بالجوانب الأخرى من حياته. وفيما يتصل بثنائية الوجود الإنساني ومقدرة الإنسان على التجاوز، لا تسقط العلمانية الجزئية في الواحدية الطبيعية/المادية، بل تترك للإنسان حيزه الإنساني يتحرك فيه (إن شاء)
العلمانية الشاملة: رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي (كلي ونهائي)، تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات (الميتافيزيقية) بكل مجالات الحياة. وهي رؤية عقلانية مادية، تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية، التر ترى أن مركز الكون كامن فيه، غير مفارق أو متجاوز له (فالعلمانية الشامل وحدة وجود مادية)، وأن العالم بأسره مكوَّن أساسًا من مادة واحدة، لا قداسة لها ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها ولا هدف، ولا تكترث بالخصوصيات أو التفرد أو المطلقات أو الثوابت. هذه المادة -بحسب هذه الرؤية- تشكل كلاً من الإنسان والطبيعة. فهي رؤية واحدية طبيعية مادية. 

وفي تصورنا أن أفضل طريقة لتناول قضية العلمانية والعلمنة هي قضية المرجعية (كامنة أم متجاوزة). فالعلمانية (الشاملة) قد لا تكون إلحادية أو معادية للإنسان على مستوى القول والنموذج المعلن (فهي قد لا تنكر وجود الخالق، أو مركزية الإنسان في الكون، أو القيم المطلقة -الإنسانية أو الأخلاقية أو الدينية -. بشكل صريح ومباشر). ولكنها على المستوى النماذجي الفعال، ومستوى المرجعية النهائية، تستبعد الإله وأية مطلقات أو ثوابت، من عملية الحصول على المعرفة ومن عملية صياغة المنظومات الأخلاقية. كما أنها في نهاية المطاف تستبعد الإنسان من مركز الكون بشراسة وحدة، وتنكر عليه مركزيته وحريته.
والشائع بين معظم الناس والدارسين تعريف العلمانية بوصفها فصل الدين عن الدولة، أو نحو ذلك من التعريفات الجزئية. وكثيرون يتصورون أنهم في واقع الأمر يديرون حياتهم على أساس مفهوم العلمانية الجزئية. ولكن لو دققنا قليلاً في الأمر لاكتشفنا أنه حينما يكون الأمر خاصًا بالتعريف النظري، فإن ما يطرح عادة هو مفهوم العلمانية الجزئية،، أما الممارسة الفعلية في معظم مجالات الحياة اليومية فهي تتم على أساس العلمانية الشاملة (من خلال ما سميناه العلمنة البنيوية وآليات أخرى مثل قطاع اللذة والدولة المركزية)
متتالية العلمانية 
يمكن تصور حلقات المتتالية النماذجية للعلمانية كما يلي: 
1- يحل مركز الكون في العالم ويصبح كامناً (حالاً) فيه، غير مفارق له. وتصبح مرجعية الكون مرجعية كامنة (فيه)، وتختفي المرجعية المتجاوزة، التي تفترض أن هناك عالماً وراء هذا العالم المادي.. عالم الحواس الخمس.  
(أ) يسمى مركز الكون الحال فيه، غير المفارق له، "الإله" أو "روح العالم". وبذا تسود فكرة وحدة الوجود، حيث يتوحد الإله مع الكون في جوهر واحد. وحيث إن هذا المركز والجوهر الواحد يسمى الإله، فإن وحدة الوجود في هذه الحالة تكون وحدة وجود روحية. 
(ب) ولكنها وحدة وجود روحية اسماً وحسب، لأن مركز الكون، الحال فيه، يمكن أن يسمى "الطبيعة/المادة" أو "القوانين الطبيعية" أو غيرها من التسميات المشابهة. وبذا تتحول وحدة الوجود الروحية (اسمًا) إلى وحدة الوجود المادية (فعلًا)
2- يلاحظ أن المبدأ الواحد ومركز الكون يحل في بداية الأمر في كل من الإنسان والطبيعة بدرجة متساوية. وتنتج عن هذا الحل المزدوج ثناية صلبة، ثنائية الإنسان في مقابل الطبيعة/المادة
(أ) الإنسان مركز الحلول، ويواجع الكون دون وسائط، يتمركز حول نفسه، ويضع نفسه في مركز الكون، ويعلن أن سيده. أي أنه يصبح مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته، لا يشير إلا إليها. وفي بداية الأمر تكون الإنسانية جمعاء مركز الحلول. فتظهر النزعة الإنسانية (الهيومانية، أو الواحدية الإنسانية)، ويحاول الإنسان تأكيد جوهره الإنساني المستقل عن الطبيعة، وأن يتجاوز الطبيعة المادة بقوة إرادته، وأن يفرض ذاته الإنسانية باسم الإنسانية جمعاء. وتكون هذه الإنسانية مصدر تماسك العالم. ومن ثمّ، يتم إدراك العالم من خلال هذه المقولة، وافتراض أن الإنسان يسبق الطبيقة، وينظر الإنسان إلى الطبيعة باعتبارها مادة استعمالية، ويبدأ في إعادة صياغتها في الإطار المادي ليسخرها لصالحه (النزعة البروميثية الفاوستيه)
(ب) ولكن في غياب أية معايير متجاوزة للإنسان، فإن موضع الحلول يصبح أمة أو عرقاً ما، فتظهر الإمبريالية والعنصرية والصهيونية. وقد يكون موضع الحلول قائدًا أو زعيمًا، فتظهر النازية والفاشية. وقد يكون فردًا عاديًا، فتظهر نزعة نفعية شخصية مادية حادة وتوجه لا يقل حدة نحو اللذة، ويؤكد الإنسان نفسه في مواجهة الطبيعة والآخرين. ويلاحظ أن كل هذه النزعات رغم تنوعها هي نزعات "إنسانية"، بمعنى أنها تفترض أن مركز الكون هو البشر أو من البشر. وهي أيضاً نزعات واحدية، فهي ترد الكون بأسره إلى عنصر واحد (واحدية إنسانية أو فردية). وهي رغم واحديتها فإن لها مركز، ومن ثم فهي واحدية صلبة. وهي أيضاً نزعات إمبريالية تحاول أن توظف الطبيعة، وتوظف الآخر. 
(ج) بعد المراحل السابقة التي تتميز بالتمركز حول الذات الإنسانية (إما بطريقة إنسانية هيومانية، أو بطريقة عنصرية إمبريالية) يكتشف الإنسان أن الطبيعة (المادة) مركز الحلول، تقف صلبة، متمركزة حول نفسها، أي أنها تصبح مرجعية ذاتها، مكتفية بذاتها، لا تشير إلا إلى نفسها، لا تكترث بالإنسان - بأفراحه وأتراحه، وأحلامه وأوهامه-، وترد كل شيء إلى عنصر واحد، الطبيعة/المادة (واحدية طبيعية/مادية). ويلاحظ أنها رغم واحديتها فإن لها مركزاً فهي واحدية صلبة. ويكون مصدر التماسك في الكون هو الطبيعة/المادة. ويتم إدراك الكون من خلالها، ويسود الافتراض بأن الطبيعي يسبق الإنساني.
(د) من الطبيعي بعد ذلك أن يحدث صراع بين المركزين (الإنسان والطبيعة)، ومن ثم، تنشأ الثنائية الصلبة التي أشرنا إليها.
3- تنحل الثنائية الصلبة إلى واحدية مادية صلبة:
(أ) يكتشف الإنسان عدم اكتراث الطبيعة/المادة به
(ب) يتحقق الإنسان من أن ذاته طبيعية/مادية، وأن قوانين العقل (الذي يميزه عن بقية الكائنات) هي نفسها قوانين الطبيعة/المادة (فسقف كل شيء هو السقف المادي)، وأنه باستبعاد الماوراء، وما هو غير زمني، تصبح الطبيعة/المادة وقوانينها هي المصدر الوحيد لمعاييره ومنظوماته المعرفية والأخلاقية والجمالية، وأن النزوع الإنساني والحيز الطبيعي/المادي، فتزول الثنائي الصلبة وتسود الواحدية الطبيعية/المادية (الصلبة)، ومع هذا تستمر بعض "جيوب" الواحدية الإنسانية.
(4) تتم عملية رد الغنسان إلى الطبيعة/المادة (أي التفكيكية) على عدة مراحل:
(أ) تقسم حياة الإنسان إلى مجالات مختلفة، يصبح كل مجال منها موضعاً للحلول، الواحد تلو الآخر. وحينما يصبح مجال ما موضعًا للحلول، فإنه يتحرك حسب قوانينه (الكامنة أو الحالة فيه).
(ب) يصبح لكل مجال كيانه وآلياته وأهدافه وأغراضه المستفلة عن الإنسان وعن المجتمع الإنساني، أي أنه يصبح مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته. 
(ج) يستمد كل مجال معياريته من ذاته ويتم الحكم عليه من منظور مدى كفاءته في تحقيق أغراضه، ويكتسب كل نشاط شرعيته من مدى نجاحه في تحقيق أهدافه. فتصبح المعايير في المجال الاقتصادي اقتصادية، وفي المجال السياسي سياسية، وفي المجال الجمالي جمالية، وفي المجال الجنسي جنسية، وهكذا. 
(د) هذا يعني أن كل مجال، الواحد بعد الآخر، يفلت من قبضة الإنسان ولا يكترث به. ومن ثم، ينفصل عن أيه معيارية أو غائية خارجة عنه (سواء أكانت دينية أم أخلاقية أم إنسانية) ويتحرر منها. وتتفتت مجالات الحياة الإنسانية وتتجول إلى مجالات غير متجانسة غير مترابطة. وحينما تواجع الذات الإنسانية العالم تجده منفصلاً عنها، غريباً عليها، مفتتًا .. مجرد مادة نسبية محايدة خاضعة لحركة المادة وحسب. 
(ه) تنتقل هذه العملية من مجالات الحياة العامة إلى حياة الإنسان الخاصة (الأسرة - أوقات الفراغ)، ومن خارجه (السوق-المصنع) إلى داخل ذاته أيضاً (أحلامه - مثالياته)
(و) تتصاعد هذه العملية إلى أن يصبح المجتمع بأسره مجالات غير متجانسة، غير مترابطة متناثرة لا يربطها رابط. ومن ثم يتزايد تحدد النشاطات والوظائف، وعدم تشابكها مع أية نشاطات أو وظائف أخرى.
5- تعاد صياغة صورة الإنسان على النحو التالي: 
(أ) يتم النظر إليه منعزلاً عن كليته الإنسانية، وعن مضمونه الاجتماعي المركب، فهو إنسان اقتصادي خاضع للحركيات الاقتصادية، أو إنسان جسماني خاضع لقوانين الغريزة، لا يسأل أيه أسئلة كلية نهائية، وإن جال في صدره شيء منها فإنه يجيب عنها إجابات مادية.
2- هذا يعني أن الإنسان يصبح ظاهرة واحدية غير مركبة، خاضع لكيانات مجردة أكبر منه يذوب فيها، ويرد إليها، ولا ترد هي إليه
3- ولأن الإنسان يعيش في الزمان والمادة وحسب، فإن هذه الكيانات المجردة (السوق التاريخ الجسد الدولة) عادة ما تكتسب أبعادًا مادية، وكثيرًا من سمات الطبيعة/المادة (نظام واحدي مغلق كلي شامل لا يعرف الثنائيات ولا الثغرات ولا أي انقطاع مكتفٍ بذاته مرجعية ذاته لا يكترث بالغائية الإنسانية حتمي لا يعرف القيمة لا يمكن تجاوزه)
4- يمكن تسمية هذه الكيانات المجردة (المطلق العلماني)، وهي كيانات تهيمن على الإنسان تماماً.
5- هذا يعني في واقع الأمر تبسيط ظاهرة الإنسان، إذ يصبح مجرد عناصر موضوعية (قابلة للدراسة) غير شخصية، متماثلة إلى حد كبير، فيسُهل التعامل معها (معالجتها) ودراستها والتحكم فيها وإخضاعها لنماذج تحليلية بسيطة (عادة كمية) وقواعد إجرائية ذات طابع مادي كمي عام (وهذا هو الترشيد المادي للحياة)
6- يمكن القول بأن العلمنة هي (الترشيد المادي)، أي إعادة صياغة الواقع المادي والإنساني في إطار نموذج الطبيعة/المادة، بالشكل الذي يحقق التقدم المادي (وحسب)، مع استبعاد كل الاعتبارات الدينية والأخلاقية والإنسانية، وكل العناصي الكيفية والمركبة والغامضة والمحفوفة بالأسرار، بشكل تدريجي ومتصاعد في مختلف مجالات الحياة، بحيث يصبح كل مجال خاضعًا للقوانين (المادية) الكامنة فيه، حتى يتحول الواقع إلى مادة استعمالية، ويتحول ال‘إنسان إلى كائن وظيفي أحادي البعد. ومن ثم يمكن توظيف (حوسلة) كل من الواقع المادي والإنساني بكفاءة عالية، إلى أن يتحقق حلم اليوتوبيا التكنولوجية التكنوقراطية (ونهاية التاريخ)، حين تتم برمجة كل شيء والتحكم في كل شيء، وضمن ذلك الإنسان نفسه، ظاهره وباطنه. ويؤدي الترشيد المادي إلى ضمور الحيز الإنساني واختفائه وإنكار التجاوز الكامل، ومن ثم، فهو شكل من أشكال العلمنة الشاملة
7- ونحن نذهب إلى أن العلمانية (الشاملة) والإمبريالية صنوان..
1- فرغم أن الإنسان الغربي بدأ مشروعه التحديثي بالنزعة الإنسانية (الهيومانية)، التي همّشت الإله ووضعت الإنسان في مركز الكون، إلا أنها شأنها شأن أية فلسفة علمانية شاملة (تدور في إطار المرجعية الكامنة المادية) ترى أن الإنسان هو كائن طبيعي/مادي يضرب بجذوره في الطبيعة/المادة، لا يعرف حدوداً أو قيودًا ولا يلتزم بأية قيم معرفية أو أخلاقية، فهو مرجعية ذاته، ولكنه في الوقت نفسه يتبع القانون الطبيعي، ولا يلتزم بسواه، ولا يمكنه تجاوزه. ولذا، فهو في واقع الأمر كائن غير قادر إلا على التمركز حول مصلحته (منفعته ولذته) المادية وبقائه المادي (فالإنسانية مفهوم أخلاقي مطلق متجاوز لقوانين الماة مفارق لها)، غير قادر على الاحتكام إلى أية أخلاقيات .. إلا أخلاقيات القوة المادية.
2- ولذا، فبدلاً من مركزية الإنسان في الكون تظهر مركزية (الإنسان الأيبض) في الكون، وبدلاً من الدفاع عن مصالح الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح "الجنس الأبيض". وبدلاً من ثنائية الإنسان الطبيعة/المادة، وتأكيد أسبقية الأول على الثاني، تهر ثنائية الإنسان الأبيض في مقابل الطبيعة/المادة، وتأكيد أسبقية الأول على الثاني، تظهر ثنائية الإنسان الأبيض في مقابل الطبيعة/المادة وبقية البشر الآخرين (الذين يصبحون جزءًا لا يتجزأ منها) وتأكي أسبقيته وأفضليته عليهم. وبدلاً من الاحتكام إلى القيم الإنسانية تستخدم القوة. ومن ثم، يصبح هم هذا الإنسان الأبيض غزو الطبيعة المادية والبشرية وحوسلتها، وتوظيفها لحسابه واستغلال، بكل ما أوتي من إرادة وقوة.
3- من هذا المنظور، يمكن القول بأن العلمانية (الشاملة) هي النظرية، وأن الإمبريالية هي الممارسة. ولكن الممارسة أخذت شكلين مختلفين باختلاف المجال (ومن ثم تمت تسميتهما كما لو كانا ظاهرتين منفصلتين لا علاقة للواحدة منهما بالأخرى). فالإمبريالية في الداخل الأوروبي تأخذ شكل الدولة العلمانية الرشيدة (الملكيات المطلقة الدول الديمقراطية منذ الثورة الفرنسية الحكومات الشمولية). وفي مرحلة لاحقة أخذت شكل ما نسميه (الإمبريالية النفسية) (وهي تصعيد معدلات الاستهلاك من خلال تسليط الإعلانات على الإنسان الحديث المنعزل عن أسرته الخاضع للنسبية، ومن خلال إعادة صياغة صورة الذات بحيث يصبح الاستهلاك السبيل الوحيد أو الأساسي لتحقيقها). ويتحدث هابرماس في هذا السياق عن "استعمار الحياة". وجوهر الإمبريالية الداخلي فرض الواحدية الطبيعية/المادية على بقية المجتمعات الإنسانية وترشيدها في الإطار المادي لصالح المجتمعات الغربية ككل.

8- تتصاعد عمليات الترشيد الماديـ ويتم تطبيقها على مستوى العالم بدرجات متزايدة (من خلال الاستعمار بالدرجة الأول، ونخب الحاكمة المحلية المغتربة ثانيًا)، وهو ما يؤدي إلى تزايد تاسقط الحدود والخصوصية، بحيث يصبح العالم كله مادة استعمالية.. مجرد سوق ضخمة، ويصبح كل البشر كائنات وظيفية، أحادية البعد، يمكن التنبؤ بسلوكها وحوسلتها وتوظيفها. وعندما يسود التجانس الكامل بين معظم أو كل المجتمعات البشرية، وعندما تتلاقى وتتبع نمطاً واحداً وقانوناً عاماً واحداً (قانون التطور والتقدم العالمي (الحتمي)، من منظور العلمانية الإمبريالية الشاملة) يصبح العالم مكوناً من وحدات قد تكون غير مترابطة ولكنها متشابهة، ما يحدث في الواحدة يحدث في الأخرى (وهذا ما سماه ماكس فيبر "القفص الحديدي"(
وبشكل عام.. يمكن القول بأنه بعد أن تصل المتتالية العلمانية الشاملة إلى التحقق في معظم حلقاتها تمحى الثنائيات (خالص/مخلوق جسد/روح ظاهر/باطن عام/خاص)، وتحمى بذلك تركيبية الإنسان ومقدرته على التجاوز (تجاوز الطبيعة/المادة وذاته الطبيعية/المادية)، فيختفي الإنسان الفرد، الحر، الواعي، المسئول أخلاقيًا واجتماعيًا، ويذوى كيانه كمقولة مستقلة عن عالم الطبيعة/المادة، ويصبح جزءًا لا يتجزأ منها. ومع إنكار تركيبية الإنسان ومقدرته على التجاوز تسود الواحدية المادية، وتنزع القداسة عن العالم (الإنسان والطبيعة)، فيسقط في قبضة الصيرورة المادية، ويظهر الإنسان الطبيعي الذي يعرف في ضوء احتياجاته المادية: حدوده حدود المادة، أهدافه وغاياته وأخلاقه مادية، سلوكه وتطلعاته وأشواقه مادية، لا توجد مسافة تفصل بينه وبين الطبيعة/المادة. ومن ثم، لا يوجد حيز إنساني مستقل يتحرك فيه الإنسان بقدر من الاستقلال والحرية. ولذا، فإنه لا يكون قابلاً للدراسة إلا في إطار النماذج الطبيعية/المادية.
والإنسان الطبيعي/المادي ليس فيه من الإنسان سوى الاسم! فهو كائن لا يتحرك في الحيز الإنساني وإنما في الحيز الطبيعي، فمرجعيته النهائية مرجعية مادية كامنة. وهو كائن يتم اختزاله إلى بعد واحد (البعد المادي)، ويتحول إلى ظاهرة علمية مادية قابلة للدراسة الموضوعية، في كليتها. والإنسان الطبيعي فرد خالص (مرجعية ذاته)، يتوجه توجهًا حادًا نحو المنفعة واللذة (منفعته ولذته). وتترجم هذه الثنائية نفسها إلى الإنسان الاقتصادي الذي يبحث عن منفعته، والإنسان الجسماني الذي يبحث عن لذته. فيؤدي هذا إلى ضمور الحس الاجتماعي، وتفريغ كقير من الظواهر الإنسانية من مضمونها الاجتماعي، إذ يسقط كل شيء في هوة المرجعية الفردية، وتسيطر على المجتمع قيم التعاقدية والحياد. ولكن الحياد يخفي في واقع الأمر قيم الصراع والداروينية والصراع والبقاء للأصلح هي أخلاق عالم الحواس الخمس. وينقسم المجتمع إلى الأقوياء المنتصرين (الإنسان الأعلى السوبرمان ما فوق الإنسان) والضعفاء المهزومين (الإنسان الأدنى السبمان أو ما دون الإنسان). ويحاول الإنسان قدر طاقته أن يحقق ذاته وفرديته، ولكنه رغم محاولاته الدائبة يخفق. فالتمركز حول الذات يؤدي إلى التمركز حول الموضوع. إذ يجد الإنسان نفسه خاضعًا للحتميات الطبيعية/المادية، فهو مادة خالصة لا قداسة لها. كما أن المؤسسات الضخمة (الدولة الإعلام) ترشد بيئته من الخارج وترشده هو من الداخل، ويتم فرض قوالب وأنماط محددة، ويسود التنميط، ولذا، فهو يتشيأ ويتحول من غاية إلى وسيلة. ومع تصاعد معدلات العلمنة تنقسم حياته إلى مجالات مختلفة، فتتشظى، وتظهر معايير مختلفة لمجالات الحياة، فتظهر في بداية الأمر معايير صارمة للحياة العامة، العالم الظاهر الكمي، وتترك الحياة الخاصة لكل فرد إليه .. يسيرها كما يشاء، وحسب المعايير الأخلاقية التي يراها. ثم تتغلغل العلمنة في الحياة الخاصة، وتفرض على الإنسان معايير النسبية والصراع، ويتزايد الارتباط بالعالم الحسي.. عالم الآن وهنا، عالم الجسد والجنس. ومن ثم، يضمر الإحساس بالتراث والتاريخ والهوية الخصوصية.
9- وبذلك يتم تفكيك الإنسان تماماً، ورده إلى الطبيعة/المادة. ومع هذا يظل هناك إحساس بالكليات، وهي كليات مادية (مطلقات علمانية) تتحرك في الحيز الطبيعي/المادي، ومع هذا هي متجاوزة لحركة المادة والذرات المتشظية .. ولذا، يمكن أن نتحدث عن "الكل المادي المتجاوز" الذي يكون بمنزلة المركز (المادي) للعالم، ويكتسب العالم تمايكه وصلابته من وجود هذا المركز (ولذا، فهو عالم لوجو سنتريك أو عالم له مركز). ويتحرك الإنسان الحديث باسم هذا المركز الإنساني (في بعض الحالات) والطبيعي/المادي (في معظمها)، وتسود النسبية، ولكنها لا تكون مطلقة (بسبب وجود الكل المادي المتجاوز الذي يولد منه الإنسان الحديث معيارية ما). وهذا هو عصر التحديث والحداثة والمادية والبطولية، عصر حلم التجاوز من خلال الماد، والعقلانية المادية.
10- ولكن كما تم تقويض الذات الإنسانية يتم تقويض الموضوع الطبيعي/المادي. إذ يكتشف الإنسان أن الطبيعة الخارجية (داروين) والداخلية (فرويد) هي في واقع الأمر عالم من الفوضى والصراع والقوى المظلمة والظالمة، ولذا، فهي لا تصلح مصدرًا للقيمة. كما أن علم الفيزياء الحديثة بين أن عالم الطبيعة/المادة باعتبارها مركزًا، تمامًا كما سقط الإنسان من قبل. وتسود الواحدية المادية التي لا مركز لها (الواحدية السائلة)، وينتقل العالم من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، مرحلة الواحدية الطبيعية المادية السائلة وهذا الانتقال من عالم متماسك فيه معيارية (حتى وإن كانت مادية) إلى عالم مفكك بلا معيارية، هو الانتقال من عصر التحديث (والحداثة) إلى عصر ما بعد الحداثة، عصر البرجماتية واختفاء الذاكرة والرغبة في التجاوز، مرحلة اختفاء الذات والموضوع، ومن ثم اختفاء المركز (الإنساني والطبيعي). ومن ثم، فهي مرحلة اللاعقلانية المادية.
11- وكما تمت عولمة العلمانية الشاملة في مرحلة الصلابة يتم علمنتها في مرحلة السيولة، فيظهر فكر ما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد، وهما يؤكدان أن العالم لا مركز له، وأن كل الأطراف متسواية، وأن النسبية أمر مطلق. ولكن إذا كان النظام العالمي الجديد يؤكد على مستوى النظرية أنه لا مركز له، فإنه على مستوى الممارسة يتصرف باعتبار أن الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، له اليد الطولي، في عالم أحادي القطب.. فهو يشكل المركز في واقع الأمر!


ولا يمكن إنكار أن للنموذج التحديثي العقلاني المادي العلماني الشامل جذوراً غربية واضحة، وبالمثل لا يمكن إنكار أنه وصل إلى أول تحقق تاريخي له في الحضارة الغربية من خلال ظروف (سياسية واقتصادية وحضارية) خاصة، وأنه انتقل من العالم الغربي إلى بقية العالم، بل اكتسحه اكتساحاً، لأسباب خاصة بالحضارة الغربية (من بينها النجاح المادي في المجتمع الغربي الذي يستند إلى نجاحه في تجربته الإمبريالية. ومن بينها أيضاً أسباب تاريخية هو غير ميسئول عنها مثل غياب القوى الأخرى المضادة، مثل إمبراطورية المملايك أو الدولة العثمانية أو الإمبراطورية الصينية، فقد كانت كلها تمر بلحظات ضعف، كان يمكن أن تكون مؤقتة). ولكن على الرغم من كل هذا، فنحن نذهب إلى أن تفسير جاذبية النموذج التحديثي العلماني الشامل على أساس تراكمي لا يكفي لتفسير ظاهرة الاكتساح هذه. ونرى أن أحد أهم أسباب نجاحه على المستوى العالمي هو أن جذوره كامنة في النفس البشرية نفسها. وأنه تعبير عن نمط متكرر ونزوع إنساني كوني، وهو النزوع الجنيني ورغبة الجزء في الذوبان في الكل والإنسان في الطبيعة/المادة والعودة إلى الرحمم (الكوني). ويجب أن ندرك العلمانية في إطارها هذا فهي ليست مقصورة على الزمان والمكان الغربيين والخضارة العلمانية الغربية، بهذا المعنى، حضارة فريدة تماماً. فلأول مرة في تاريخ الإنسان يلغى الهدف والغاية ويتحرر المطلق منهما (فيصبح لوجوس بلا تيلوس) وميتافيزيقا بدون أخلاقيات). وهذا هو الإدراك الأساسي الكامن وراء عالم ما بعد الحداثة، فهو عالم قد تمت تصفيته وتطهيره تماماً من المطلقات المرجعية النهائية، فلا مركز ولا هامش، وإنما عالم أفقي متساو مسطح، لا يوجد فيه وضع خاص أو متميز لأ شيء -وضمن ذلك الإنسان- ولذا، فهو عالم خال من المعنى، ليس بإمكان الدال فيه أن يرتبط بالمدلول لأنه عالم يحتوي على أي مطلق يربط بين الفتصايل كلها.. عالم نسبي تماماً، ولكنه مع هذا يخلع المطلقية على النسبية. فالمرجعية النهائية هي -في الحقيقة - إنكار المرجعية، والمطلق الثاتب الوحيد هو النسبي المتغير، وهذا ما يعبر عنه الفكر المادي بالقول (لا ثبات إلا لقوانين التغير). ومع هذا تظل هناك الداروينية وفكرة البقاء للأقوى باعتبارها المرجعية الوحيدة الثابتة في عالم الواحدية السائلة وما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد.
 


Comments

Popular posts from this blog

The God Of Small Things

101 Things I Learned in Architecture School

Understanding Power: The Indispensable Chomsky