ثورة الأرض

 ثورة الأرض

جوزيه ساراماجو



تتمتع الأرض أيضا بالمنظر الطبيعي. ومع أن بقية الأشياء ينقصها شيء، إلا أن المنظر دائما فائض بغزارة، تلك الغزارة التي يمكن تفسيرها فقط بالمعجزة التي لا تكل، ذلك لأن المنظر الطبيعي بلا أدنى شك أقدم من الإنسان، وبرغم هذا الوجود السرمدي، ما زال باقيا لم ينفد


إن أردنا أن نصفها، فهى أرض رحبة، حدباء، بها شيء من ماء الضفاف، تجود به السماء أحيانا وتبخل أحيانًا أخرى، وصوب الجنوب تمتد مستوية، ملساء مثل كف اليد، مع أن جزءاً كبيراً منها، بقصد من الزمن، مال للانغلاق على نفسه مع مرور السنين فصارت مثل يد الفاس أو المنجل أو المحش. إنها الأرض التي تشبه أيضًا كف اليد فى أنها مغطاة بخطوط وسبل، وطرقها الحقيقية التى ستصبح فيما بعد قومية، عندما لا تتبع المجلس المحلى تصل الثلاثة طرق لأن الرقم ثلاثة رقم شاعری سحرى، وكنسى وكل الأمور الأخرى نجدها مفسرة فى هذه الخطوط ذهابا وإيابا ، بسككها ذات القدم الحافية والعارية بين الحقول والشجيرات بين جدامات القمح والزهور الحسناء، بين السور والصحراء. منظر طبيعي هائل. يستطيع المرء أن يمشى من هنا طيلة حياته دون أن يعثر على نفسه أبداً، إن ولد تائها . وإن جاءت ساعته فلن ينفعه سوى الموت. إنه ليس أرنباً ولا فاراً حتى يتعفن من الشمس، لكن علينا أن نتخيل أن الجوع أو البرد أو الحر سينهكه فى أرض لم يحسبوا له فيها حسابا، أو يصيبه مرض من تلك الأمراض التي لا تمهل أحدا للتفكير في شيء، ولا حتى لطلب النجدة مع أنهم حتما سيعثرون عليه ولو بعد فوات الأوان.


من الحروب وأوبئة أخرى مات الكثير في هذا المكان و أماكن أخرى داخل المنظر الطبيعي، ومع ذلك. كل ما نراه هنا نجده حياً، هناك من يقول إن ذلك يرجع للغز لا يسبر غوره، إلا أن الأسباب الحقيقية مرتبطة بهذه الأرض، بهذه الوسية التي تمتد عاليا للروابي وأسفل للأرض المستوية حتى يصل مدى البصر. ولو لم تكن الأسباب مرتبطة بهذه الوسية فقد تكون بوسية أخرى، فالفرق بينهما لا يهم سواهما، وليسكن الاختلاف بين رأيي ورأيك : قد تم تسجيل كل شيء فى زمن محدد ومناسب في إحصاء حدود في الشمال والجنوب، فى الشرق والغرب، كما لو كان ذلك قد تقرر فى بداية الخليقة، حينما كانت الدنيا مجرد منظر طبيعي، يقطعه حيوانات كبيرة وقلة من الرجال هنا وهناك ترتعش فرائصهم . في تلك الأزمنة، وبعدها، تقرّر ما كان يجب أن يكون عليه المستقبل، خطوط اليد المعوجة، حاضر هذه الأرض المقسمة الآن بين أصحاب الفأس، حسب حجم الفأس وحديده أو حافته.


لن يبلغ دومينجو المنحوس سن الشيخوخة. وذات يوم، بعد أن تنجب له زوجته خمسة أولاد، سيربط حبلا بغصن شجرة في بادية تطل على جبل لافري سيشنق به نفسه، لكن ليس لهذا السبب المعروف. وأثناء ذلك، سيتنقل ببيته على كاهله من مكان لآخر يهرب من أسرته ثلاث مرات وفى المرة الأخيرة لا يستطيع أن يصالح أسرته لأن ساعة موته قد آنت.


فليحيا حرس الجمهورية، فلتحيا جمهورية الحرس


فظائع ليس بأيدينا تفاديها


الحرب تلتهم الكثير، والكثير تثريهم.


أما السلاح الأقوى والأقطع فهو الجهل


إن الرجل بوسعه أن يعمل أعمالا كثيرة، تحدثنا عن بعضها ونضيف الآن بعضا آخر لتكتمل الصورة، حيث إن سكان المدينة، بجهلهم، يعتقدون أن القرية ماهى إلا الزرع والحصاد، وبذلك يعيشون مخدوعين إن لم يكونوا قد تعلموا قول الكلمات كلها وأدركوا معانيها، فهناك الحصد وحمل الغبيط والحش ودرس الحبوب بالمكنة أو بالدم وهرس الشَّيْلَم وتغطية المتبن وتعبئة التبن أو القش ودق الذرة والتسميد بالسماد العضوى وبذر البذور والحرث والقص وإزالة الأوراق الجافة وحفر الذرة ووضع الأطر وتقليم الشجر وإقامة العُرُش وتسوية الأرض وفتح المسقى وإزالة الأعشاب الضارة وتقسيم الأرض إلى قطع وعزقها وتطعيمها وكبرتتها وتفريغ عناقيدها والعمل في المطامير والحدائق وحفر الأراضي للبقول وإسقاط الزيتون والشغل في معاصر الزيت واستئصال الفلين وقص شعر الغنم والعمل فى الآبار وأحواض النباتات التزينية وأحواض الزرع وقطع الحطب وشق الصبار ليسقط منه سائله والخبازة، يا إلهي! تسوية الأرض وعزقها ووضع الحبوب في زكائبها، إن تلك الكلمات الكثيرة والجميلة تثرى المعجم، يالهم من محظوظين من يعملون، وتخيل أننا لم نشرع فى شرح كيفية أداء كل عمل، ولا في أية فترة من العام، ولا الأدوات والعدد التي يتم من خلالها، وهل هو عمل رجل أم امرأة، ولماذا. 


شخص يجلس في بيته بلا عمل، ولنفترض أن هذا الشخص رجل، والأفضل أن نتخيله في بيته بعد الانتهاء من عمله، يدخل عليه من الباب كلب حراسة، لا يسمى جوارديانا ولا بيلوتو، فهو كلب بساقين فقط، وله اسم إنسان، لكنه حيوان يعض، ويقول عند دخوله، لقد أحضرت لك ورقة لتوقع عليها، وهى تتعلق بأمر سفرك إلى إيفورا يوم الأحد، لتحضر اجتماعاً سياسياً لتأييد القوميين الإسبان ضد الاشتراكيين والباص مجانًا، سيتكفل الملاك والحكومة بكل المصاريف، فكلاهما واحد.


مع ذلك، نهض الآخرون بالفعل، لكنه ليس بالمعنى الحرفي للنهوض الذي يشير للقيام متثائباً من راحة المرتبة التبنية، إن وجدت، وإنما بالمعنى الآخر الفريد الذى يعنى فتح العيون وسط نور الصباح واكتشاف إنه منذ دقيقة كانت ظلمة الليل جانحة؛ بالمعنى الآخر الذى يعنى أن الزمن الحقيقى للإنسان وما يتضمنه من تغيير لا يُحكم بذهاب الشمس والقمر ومجيئهما. وتلك أشياء تشكل قطعيًا جزءاً من المنظر الطبيعي ليس فقط المنظر الأرضى، كما سبق وقلت بكلمات أخرى إنها لحقيقة واضحة أن هناك لحظة يحدث فيها كل شيء، وهذه اللحظة كان وقتها موسم الحصاد. أحيانًا يتطلب من الأجساد أن تفقد صبرها، أن تعلن حنقها، حتى تتحرك الأرواح وعندما نقول الأرواح نقصد حقيقة هذا الشيء الذى لا اسم له وربما يكون جزءا من الجسد، إن لم يكن جسداً كاملاً. ذات يوم، إن واصلنا، سنعرف جميعًا ماهى تلك الأشياء والمسافة التى تقطعها الكلمات التى تحاول وصفها، والمسافة التى تقطعها تلك الكلمات عندما تكون هذه الأشياء معروفة الكينونة عندما نكتبها هكذا تبدو معقدة.


أيضًا تبدو معقدة، على سبيل المثال، تلك الماكينة مع أنها شديدة البساطة، فالماكينة هى درّاسة الحبوب وهو اسم يناسب المسمى هذه المرة، ذلك لأن هذا بالتحديد هو ما تعمله، تستخرج الحبوب من السنابل تضع التبن فى جانب والحب فى جانب آخر. عند رؤيتها من الخارج تجد صندوقا كبيرًا من الخشب فوق عجل من الحديد، متصل بسير لموتور يهتز، يجأر، يعوى، يدوى، وتفوح منه، معذرة، رائحة خبيثة.


يتوجه الغلام للغربال، يتلقى الغبار الخانق في وجهه كعقاب، ويبدأ البدن في الاعتراض برفق، وتخور قواه فلا يحتمل العمل، لكن يفهم ذلك فقط من عاشه، يتغذى اليأس من تعب الجسد، ويسترد قواه وتعود له بعنف، وحينها، بعد أن تتضاعف قوته، يقوم الغلام، المسمى مانويل السيف والذي سنتحدث عنه فيما بعد فى هذه القصة، وينادى زملاءه ويقول، أنا ماشى، لأن هذا ليس عملاً وإنما موت.


تخيلوا اننا لو توقفنا الآن لفك شفرة وشرح تعبيرات تلك العيون، قد لا نصل ابدًا لنهايه القصة، برغم أن كل شيء، ما يبدو نادرًا وما يبدو مفرطًا، يشكل جزءًا من نفس القصة، إنها طريقة حسنة مثل أي طريقة أخرى للحكي عن الوسية.


إن ما يتحتم علينا أن نفعله هو أن نحتمل لا أن نتنازل


إن هذا العالم الذي يبدو ككتلة هائلة تسبح فى السماوات، أو تدور فى صمت كما سيراها علماء الفضاء ذات يوم ونستطيع أن نتوقع ذلك، هذا العالم، عندما نشاهده من جبل لافرى. تجده شيئاً هزيلاً، كما الساعة التي تحتمل عدداً محدداً من اللفات، ولا تحتمل لفة واحدة زائدة، وترتجف، وتهتز، إن اقترب إصبع غليظ من رأس عقربها، إن لمس، ولو برقة، زنبركها الرقيق، المتلهف، كما القلب. الساعة شيء متين داخل صندوق جميل، لا يصدأ، صامد للصدمات بقدر قوة احتماله، صامد للماء لمن تسول له نفسه أن يستحم بها، معها ضمان لعدة سنوات، من الممكن أن تكون سنوات طوال إن لم تأت الموضة لتسخر مما اشتريناه بالأمس، إنها طريقة للحفاظ على المصنع في غزوه للسوق والتهام الأرباح. لكن، لو خلعوا غطاءها، لو بدأت الريح والشمس والرطوبة فى الدوران وضربها من الداخل، بين ياقوتها و تروسها، سيستطيع أى أحد أن يراهن بيقين من الفوز، إن الأيام السعيدة تنتهى. عند مشاهدة العالم من جبل لافرى ستجده كساعة مفتوحة، أمعاؤها للشمس، فى انتظار أن تأتى ساعتها .


تحمسوا! هبط المُحضر إلى الميدان بأمر من الرئاسة، فتش على مغالق الزرائب، عد الأرسان واعتبرها كافية، تنزه فى الميدان ليستمتع بجمال المنظر الكلى، منظر المدرجات المكشوفة، الحواجز، مكان الفرقة الموسيقية، الظل والشمس، تخترق أنفه رائحة روث طازج، يقول الآن يمكن الدخول. تفتح الأبواب حينئذ ويدخل القطيع الذي سيصارع اليوم طبقا لأعراف الفن، بأردية حمراء، بحراب قصيرة، تلاحقهم ضربات عُصى وفى النهاية تتوج رقابهم بمقبض سيف، نفذت ضرباته قلبي وتركت فيه علامات. (يشبه المؤلف هنا الحرس الجمهورى بالثيران التى تكره اللون الأحمر، المتمثل فى الشيوعيين المتمردين الذين تم حشدهم في ساحة مصارعة ثيران وأساءوا معاملتهم وتم القبض على أحدهم "جيرمانو فيديجال " من قبل المحضر (المترجم))


تحمسوا! جاء القطيع يسوقه الحرس الجمهوري، من قريب ومن بعيد يأتي، من أماكن سبق أن ذكرناها مصادفة في موضع آخر من هذه القصة، لكنها ليست جبل لافرى، ورويداً رويداً يمتلئ الميدان، لا المدرجات، يالها من فكرة! الجمهور هنا مختلف، فهو الحرس الذي يحيط بالميدان، بحثاً عن ظل لو كان ذلك ممكنً،لكنهم يحيطون بكل شيء، واضعين البنادق في وضع التصويب، فبدون البندقية لا يشعرون برجولتهم، يمتلئ الميدان بقطيع غامق، يأكل في فراسخ وفراسخ من معارك الحرس البطولية، إلى الهجوم، الاقتحام، هاهم يتحركون، يهاجمون حيوانات الإضراب، يهاجمون أسود المناجل ورجال المعاناة هم أسرى المعركة الضارية، وتحت قدمي سيادتكم نحط الأعلام والبنادق التي سلبناها من العدو، انظر سيادتكم كم هى حمراء، لكنها أقل احمرارا من بداية المعركة، ذلك لأننا أثناء المعركة كنا نغمسها في التراب ونبصق فوقها، يمكن لسيادتكم أن تعلقوها في المتحف أو عند مدخل المجلس المحلى، هناك حيث سيذهب المجندون ليطلبوا راكعين أن نعرض لهم غبطتنا الصوفية لكوننا حراسًا، أو ربما كان من الأفضل سيادتكم، أن نحرقها، لأن رؤيتها يجرح المشاعر التي علمتمونا أن نحسها، ونحن لا نريد أن تتغير. أمر المحضر، لكونه يرأس عملاً فاضلاً، أن يغطوا الرمل ببعض أجولة الخيش من أجل الرجال الأشداء، لأنهم رجال، هذا أمر لا ريب فيه، لكنهم ليسوا أسوداً ولا أحضروا معهم المناجل، هاهم يجلسون أو يرقدون،مجتمعين تقريبا في مكانهم الأصلي، فلا يمكن تفادي تتبع الجماعة، ينقصهم مع ذلك بعض الرجال. قلة م، يتنقلون من جماعة لجماعة، يربتون على أكتافهم وينبسون بكلمة تسليهم، أو يلقون نظرة مع إيماءة لها مغذى، حتى يصير كل شيء آمنًا وجليًا، بقدر الاستطاع، والآن عليهم الانتظار.


ينظر الحراس من شرفتهم، فيقول أحدهم للآخر بضحكة عسكرية صرف يبدو أننا في قرية القرود، لو كان معنا الآن فول سوداني، لألقيناه لهم، وستموت من الضحك عند رؤيتهم يتصارعون عليه. يقصد هذا أن يقول إن الحرس يسافرون، يعرفون حديقة الحيوانات، يمارسون عادة التأمل الكلى والتصنيف السريع، وإن وصفوا بالقرود رجال المعاناة المكدسين في ميدان مصارعة الثيران بمونتيمور، فمن نكون نحن لنبطل قولهم، خاصة عندما يصوبون بنادقهم ناحيتنا . ربما كان من الأفضل أن يسموا الحراس حرادق على وزن بنادق ، فلقد شكلت البنادق جزءاً منهم. الواحد منا يتحدث ليقضى وقته، أو لكيلا يتركه يسرق، إنها إحدى طرق وضع اليد على الصدر والقول له أو رجاءه لا تمش لا تتحرك، فلو خطوت خطوة ستطؤنى، كم أوقعت بك الضرر! إنها أيضاً تشبه سجودى ووضع يدى على الأرض والقول له توقف، لا تلف، فمازلت أود رؤية الشمس. هنا تكمن القضية، في هذا اللعب بالكلمات راصين بعضها بجانب بعض، لنرى أيختلف معناها، وهكذا لم ينتبه أحد أن المحضر هبط للميدان ويبحث عن رجل، رجل واحد في هذه اللحظة، رجل ليس أسد المنجل ولا جاء من بعيد، وهذا الرجل، إن أعطوه كراسة ليكتب ما يعرفه، كما سيفعل في اليوم التالي رجال جبل لافرى واسكورال وسافيرا وبرج جادينيا، سيكتب في السطر الأول، وفى كل السطور حتى لا يراودنا الشك فى رجل ذى أفكار، ومن أول لآخر صفحة اسمه فقط وسيكتب: جيرمانو سانتوس فيديجال .


أمسكوا به! يجره الآن حارسان يسحبانه من الميدان، وحينما نعود لن نجده، وعند الخروج من باب القطاع رقم ستة يضمون إليه اثنين آخرين، الآن يبدو كل شيء مرتبا مثل التدرج من درج لآخر، كما لو كنا نشاهد فيلماً عن حياة المسيح، هذا هو طريق الآلام.


مازال أمام القافلة مائة متر سيراً حتى يصلوا لأعلى نقطة نراها أعلى من السور، إنها امرأة تنشر ملاءة على الحبل من المثير للضحك أن يكون اسم هذه المرأة بيرونيكا (*)، لكن لا، فاسمها تيسالتينا، وليست سيدة كنيسة. ترى رجلاً يعبر برفقة الحرس، تتابعه بعينيها، لا تعرفه، لكنها تشعر بشيء.تضم وجهها للملاءة كما لو كانت كفناً، وتقول لابنها المشغول باللعب في الشمس هيا ندخل يا بني.


(*) بيرونيكا : اسم امرأة، لكنها أيضا كلمة يشار بها إلى انتظار المصارع لهجوم الثور ناشرا القماش الأحمر بيديه أمامه. (المترجم).


يعبر الحرس الطريق الصاعد صوب الحصن وهناك يتسع الطريق من الجزء السفلى ولهذا يبدو كميدان صغير، مازالت أمامهم خطوات كثيرة ليخطوها بينما المكاسب قليلة، إن اعتقدوا أن هذا هو ما يفكر فيه المسجون فقد أخطأوا، فلا نعرف ما هي أفكارهم الآن ولا بعد ذلك، لذا فمن الضروري أن نشرع نحن في التفكير، لو بقينا في هذا الجانب، خلف هذه المرأة التي تسمى ثيسالتينا، وبدأنا مثلا اللعب مع هذا الغلام الذى لا يحب الأطفال، ستكون النتيجة أننا سنبقى بدون معرفة ما سيحدث، وهذا بالتحديد ما سنتجنب فعله. على الباب يقف خفيران والحرس بأكمله في وضع الاستعداد للحرب، ارفعوا من جديد مجد البرتغال، الحق أنه من هنا نرى جزءاً من منظر طبيعي، "سيدة الزيارات، مجيدة حيثما كانت"، لكننا لا نريد هنا أناشيد وطنية، كما نرى أيضا بعض البساتين القليلة، ففى هذا المكان الضيق لا يمكن إيجاد بساتين كثيرة. هيا ندخل يا بني قالتها ليسالتينا لابنها . نحن أيضا سندخل من هنا من بين الخفيرين، ولن يلمحانا، وهذا هو امتيازنا، نجتاز الطرقة، من هنا لا، فهذه زنزانة، نوع من العنابر المخصصة لمرتكبي الجرائم الكبرى، غداً سيحتجزون هنا رجال جبل لافرى وآخرين من أماكن مختلفة، أمر لا أهمية له، هذا هو الباب، لكن ذلك ليس الممر، فلنلف من هذا المنعطف عشر خطوات أخرى، انتبه حتى لا تصطدم بالمنضدة، إنه هنا، لسنا في حاجة للتقدم أكثر من ذلك، لقد وصلنا، يكفى فتح الباب. 

لم نصل في الوقت المناسب لنحضر المقدمات. لقد تلكأنا في مشاهدة المنظر الطبيعي و اللعب مع الغلام الذي يعشق اللعب في الشمس مهما حذراه أبواه، أيضاً وجهنا أسئلة لثيسالتينا، التي لم يشترك زوجها فى هذه المتاعب مصادفة، إنه موظف بالمجلس المحلى ويدعى أوريكى. كل ما نرويه هذا ليس إلا حججاً، مماطلات، طريقة لغض البصر، لكن حان وقت الإبصار، بين أربعة حوائط مدهونة بالجير، فوق بلاطات هذه الأرضية، علينا أن نتفادى الغناء الممزق، كم خطوة عبرت من هنا، وتركت آثارها المستديرة، ولعل أشد ما يجذب الانتباه صف النمل هذا الذي يسير على الأرض فوق حافة فتحات عريضة تشبه الوديان، تعلوه السماء البيضاء وهي السقف، وفي مواجهته الشمس التى هى اللمبة المضاءة، ويتحرك أمامه أبراج شاهقة وهم الرجال، النمل يعرفهم جيدا، فجيلاً وراء جيل شعروا بثقل أقدامهم تهرسهم، كما شعروا بسخونة غيطهم المطرود بنوع من الأمعاء خارج الجسد، وهكذا راح النمل ضحية الاختناق أو الهرس في كل بقاع الأرض، لكن فى الحالة التي نشاهدها الآن يفترض أنهم في منأى عن كل ذلك، فالرجال هنا لديهم مشاغل أخرى . يتمتع النمل بجهاز سمعي وتربية موسيقية لا يسمحان له بفهم ما يقوله البشر ولا ما ينشدونه، لهذا ليس من اليسير عليهم إدراك الاستجواب كاملاً، لكن الاختلافات ليست كثيرة، غداً، داخل نقطة الحراسة، لكن في مكان آخر أقل انعزالا سيتم استجواب رجال جبل لافرى وبرج جادانيا وسافيرا و إسكورال، وحينها سنعرف كل شيء، بما في ذلك الشتائم.


فلنمسك بهذه النملة، لا الأفضل ألا نمسك بها، فربما نقتلها، فلنكتف بالنظر إليها فهى واحدة من كبار النمل كما أنها ترفع رأسها مثل الكلاب، الآن تسير ملتصقة بالحائط مع قافلة من أخواتها، سيكون لديها وقت لتقوم بهذه الرحلة الطويلة ثلاث مرات بين مسكنها ونحن لا نعرف مدى الإثارة و الفضول الذي يغمرها، أم أنها ببساطة رحلة غذائية داخل هذه الغرفة المنعزلة، قبل أن يكتمل حدث الإبادة. الآن وقع في التو أحد الرجال، بقى فى مستوى النمل، لا ندرى أيراه أم لا، لكن النمل يراه، سيسقط الرجل مرات كثيرة حتى يحفظ النمل ملامح وجهه، لون شعره وعينيه، رسمة أذنيه، خطى حاجبيه السوداوين رسمة شفتيه بظلهما المتراخى، وعن كل هذا ستدور لاحقا محادثاتهم فى مسكنهم ليبصروا الأجيال القادمة، فمن المفيد للشباب أن يطلعوا على ما يحدث. سقط الرجل، بعدها أنهضاه  جلان بشلوتين، يصرخان فيه كل من جانب، بسؤالين مختلفين كيف يكون من الممكن الرد عليهما حتى لو أراد؟ وهذه ليست الحالة، لأن الرجل الذي سقط وأنهضوه لن ينطق بكلمة ولو قتلوه. بعض الهمهمات تخرج من فمه، وفى أعماق روحه تكمن الآهات حتى عندما تتكسر أسنانه ويحتاج لبصق أجزائها، يعود الرجلان لضربه ولديهما الذرائع القوية، فالبصق يلوث ممتلكات الدولة، بالإضافة للضوضاء التي يسببها، فقط البصق يسبب ضوضاء! هذه الحركة الميكانيكية غير الواعية للشفاه وبعد ذلك يتناثر اللعاب على الأرض، يغلفه الدم، فيفتح شهية النمل الذي يتناقل الخبر من واحدة لواحدة.

سقط الرجل من جديد. إنه نفس الرجل، قالت نملة، نفس رسمة الأذن و خط الحاجب، وظل الفم إنه هو بلا أدنى شك، لكن لماذا دائما هو الذي يختارونه، ربما لأنه لا يعرف الدفاع عن نفسه، لا يعرف الصراع، إنها آراء نملة وتتحدث من منطلق ثقافتها، فهي لا تعرف أن حرب جيرمانو سانتوس فيديجال ليست ضد المعتدين عليه، جارجاجو وجارجاجيو، وإنما ضد جسده الخاص.


يصاب النمل بصاعقة عند رؤية ذلك، وسريعا ما تعبر. النمل لا يستطيع أن يتوقف، فلديه التزامات، مواعيد يجب أن ينفذها، فهو يبذل كثيرا من الجهد عندما يرفع رأسه كما الكلاب ويبحـلـق بـبـصـره الضعيف ليتأكد أن الرجل الذي سقط هذه المرة هو نفسه من سقط المرة الفائتة، أم أنهم أدخلوا بعض التعديل على المشهد، النملة الكبيرة تجولت في المنطقة التي كانت تنقصها على الحائط، مرت من تحت عقب الباب، سيمضى بعض الوقت حتى تعود. وعند عودتها ستجد المشهد قد تغير كلية، إنها مجرد عبارة، نعم هم ثلاثة رجال كما كانوا، لكن الرجلين اللذين لا يسقطان أبدا يتسليان الآن، لابد أنها لعبة، لا يتراءى لها تفسير آخر، كم هو غريب ألا يلعب هكذا ابن ثيسالتينا يتسليان بدفع ثالثهما صوب الحائط، يمسكانه من كتفيه ويضربانه فجأة، وحينئذ، يحدث أمر من اثنين، إما السقوط على ظهره وارتطام رأسه بالأرض وإما السقوط على وجهه بمواجهة الحائط، فيطبع الوجه المهشم على الدهان الجيري ويترك عليه بعض الدم، هذا الدم الهارب من الفم والحاجب الأيمن. ولو تركاه هكذا سينزلق بلا مقاومة، لا أتحدث عن الدم، بل عن الرجل، سينزلق حتى أسفل الجدار، حتى يبقى مكوماً فوق الأرض، بجانب صف النمل، الذي سريعاً ما يغزوه شعور بالرعب عند سقوط هذه الكتلة الضخمة من أعلى، رغم أنها في النهاية لا تلمسها، وخلال الوقت الذي تركاه فيه تسلقت نملة فوق ملابسه، أرادت أن تشاهده عن قرب، إنها أكثر النمل حماقة، فهي أول من تلقى حتفها، فالمكان الذى تستريح فيه الآن هو المكان الذي سيتلقى الضربة الأولى، هي لن تشعر بالضربة الثانية، سيشعر بها الرجل الذي ستقفز معدته من مكانها من شدة الألم، ومن جديد يسقط، تصرخ معدته من عنف الرفسة أو الركلة، ومرة أخرى يوجهان الضرب لأجزائه، إنها كلمة مشهورة لا تأذى الأذن. 

خرج أحد الرجلين ذهب ليستريح بعد جهده المبذول ، إنه جارجاجيو، رجل مولود من أم و أب متزوج ولديه أولاد، تلك معلومات لا طائل منها، لأن الآخر أيضاً، ويسمى جارجاجو، هذا الذي بقى مع السجين، ولد أيضاً من أم وأب، ومتزوج ولديه أولاد، اذاً كيف نميز بينهما إن لم نذكر ملامح كل منهما؟ يمكن ذلك بالاسم، فأحدهما جارجاجو و الآخر جارجاجيو.


يشعر النمل بحنق عظيم، لقد كانوا شهودا على كل شيء، بعضهم حضر بعض المشاهد والبعض الآخر حضر مشاهد أخرى، لكن  أثناء ذلك كانوا يجتمعون ويجمعون ما يرونه، لذا فلديهم الحقيقة كاملة، بما فيهم النملة الكبيرة التى كانت آخر من رأت وجهه، عن قرب شديد، بشكل هائل، يشبه منظراً طبيعياً ضخماً، ومن المعروف جيداً أن المناظر الطبيعية تموت لأنهم يقتلونها، لا لأنها تنتحر.


لقد تطور العالم بقدر المستطاع. لكن في جبل لافري لم يتطور بشكل كاف حتى يلتحق الأخوة الثلاثة بالمدرسة


لقد ذهبا بالجثة بالفعل. والآن يدارى كل من جارجاجو وجارجاجيو عدة الشغل، السوط، المقرعة، ويفركان العُقد، ويفحصان مقدمة الحذاء وكعبه، فربما علق به خيط من ملابسه أو بقعة دم توشى، أمام عينى المخبر شارلوك هولمز الحادتين، ضعف قولهما بعدم وجودهما أثناء الجريمة أو عدم التوافق الزمنى، لكن لا خطر، فهولمز قد مات ودفن، وشبع موتاً مثل جيرمانو سانتوس فيديجال، وشبع دفناً مثلما سيشبع هذا بدون تأخير، وفوق هذه الأحداث ستمر السنون وسيعبر الصمت حتى يأتي الوقت الذي فيه يتكلم النمل ويقول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة . أثناء ذلك، إن أسرعنا، سنرى الآن الدكتور رومانو، ها هو يتقدم، مطرقاً، بحقيبته السوداء فى يده اليسرى، لهذا يمكننا أن نطلب منه أن يرفع يمناه. أقسم أن تقول الحقيقة، كل الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة .. مع الدكاترة يجب أن نكون هكذا، فهم معتادون على فعل الأشياء بكل رفعة . . قل لی یا دكتور رومانو، أيها الطبيب المبعوث من قبل الصحة، أقسم بذكرى هيبوقراط ومجهوداته في الشكل والمضمون، قل لى يا دكتور رومانو، بحق هذه الشمس التي نقف تحتها وتضىء لنا، هل مات حقا هذا الرجل مشنوقاً؟ يرفع يده اليمنى الدكتور مبعوث الصحة، يحيطنا بنظرة من عينيه الناصعتين، إنه رجل تحترمه المدينة بأسرها، يرتاد الكنيسة ويدقق في معاملاته الاجتماعية، وليظهر لنا روحه النقية يقول .. إن عثرنا على سلك ملفوف لفتين حول رقبة رجل والطرف الآخر معلق بمسمار فوق رأسه، وكان السلك مشدودا نظرا لثقل الجسد أو جزء منه، فهذه بلا أدنى شك، وبشكل تلقائى حالة شنق، وبعد أن قال هذا، أنزل يده ومضى لأشغاله. لكن انتظر يا دكتور رومانو یا مبعوث الصحة، لا تذهب بهذه السرعة فلم تحن ساعة العشاء بعد إن كانت لديك شهية بعد ما رأيت، فأنا أحسدك على معدتك، كيف تقول بشنقه ولم تر جسده، لم تر قرحه، آثار ضربه، جروحه، كدماته السوداء، دمه ؟


هذا الشارع الذي نحن فيه يسمى شارع العريش لا أحد يعرف سبب الاسم، ربما فى أزمنة ماضية كانت تظلله عرش عنب معروفة، وربما لعدم وجود اسم قديس أو سياسى أو فاعل خير أو شهيد ليضعوه على الناصية بقى اسم العريش إلى أجل غير معلوم.


في كل عام في تواريخ محددة ينادى الوطن أبناءه، إنها مقولة مبالغ فيها، صورة طبق الأصل من بعض الشعارات المستخدمة في لحظات أزمات الأمة، أو من يتحدث باسمها، عندما يريدون، لأهداف معروفة أو مجهولة، أن نظهر كعائلة واحدة مكونة من أخوة. بدون أي تمييز بين قابيل وهابيل الوطن ينادي أبناءه ويسمع صوت الوطن وهو يناديهم، و يناديهم، وأنت يا من حتى اليوم لم تستحق شيئًا، ولا الخبز الذي يسد جوعك، ولا الدواء الذى يشفى مرضك، ولا المعرفة التي تمحى جهلك، أنت يا ابن هذه الأم التي ظلت تنتظرك منذ ولدت، أنت ترى اسمك في ورقة على باب المجلس المحلى، لا تعرف القراءة، لكن شخصاً متعلماً يشير لك إلى خط حيث تلتف وتنبسط دودة سوداء، إنه أنت، وتعرف أن هذه الدودة هي اسمك كتبه كاتب مصلحة التجنيد، وضابط لا يعرفك يريد فقط أن يتعرف عليك، يضع اسمه تحتك، إنها دودة أكثر تشابكاً واضطرابا، حتى أنك لن تعرف حتى اسم الضابط، وبداية من الآن لا تستطيع الهرب، فالوطن ينظر إليك ويبحلق فيك، وينومك مغناطيسيا، لا ينقص سوى أن تهين ذكرى أجدادنا واكتشافاتهم، اسمك أنطونيو المنحوس، ومنذ جئت لهذه الدنيا وأنا أنتظرك يا بنى حتى تعرف أننى أم شديدة الحنون، وإن لم أعطك طوال كل هذه السنوات رعاية كافية فيجب أن تعذرني، فأنتم كثيرون وليس في وسعي أن  أنظر لكم جميعا، لقد سرت أعد الضباط الذين سيتحكمون فيك، ، فلا يمكن أن نعيش بلا ضياء، فكيف ستتعلم إذا المشية العسكرية، واحد اثنين شمال يمين، للخلف در، أعلى أعلى، أو كيف ستتعلم استخدام السلاح، انتبه لمؤخرة البندقية عندما تطلق الرصاص، لا تترك أصبعك يتزحلق للخلف عند الضغط على الزناد، ويقولون لى إنك لا تعرف القراءة، فأصابني الذهول، ألا توجد مدارس ابتدائية في الأماكن الاستراتيجية، ألا توجد معاهد، أم إنك لا تحتاج إليها، أم إن حياتك مختلفة، وتأتي لتقول لي إنك لا تعرف القراءة، ولا الكتابة، ولا السرد، إذاً فأى عمل ستقدمه لى يا أنطونيو يا منحوس سيتحتم عليك أن تتعلم في الكتيبة، فأنا لا أريد أبناء أميين تحت علمي، ولو نسيت بعد ذلك ما علموه لك. فأصبر، فالذنب ليس ذنبي، الحمار هو أنت، أنت القروى والفلاح، حقا ما أقوله لك، فجيشي مليء بالفلاحين، والحمد لله أنهم يبقون فترة و يمشون وبعد أداء الخدمة العسكرية ستعود إلى عملك، لكن لو اردت عملاً أثقل مثل الجيش، يمكن تنظيم ذلك. لو تقول الأوطان الحقيقة، كنا سنسمع هذه الخطبة، بإضافات زائدة أو كلمات ناقصة، لكن حينئذ  سيتحتم علينا أن نعاني ألم التخلى عن الإيمان بقصص الأطفال المبهرة، قصص الأمس واليوم التى احيانا تكون درعاً بقفازه، وأحيانا أخرى تكون رباط سيف ودرع ساق، مثل قصة الجندي الذي كان يقطن خندقاً ويقتله الحنين لأمه التي ولدته، وماتت واستقرت روحها في السماء، فكان يجلس يتأمل صورة من وهبته الحياة، وذات يوم جاءت رصاصة طائشة، أو ربما على العكس كانت رصاصة مقصودة خرجت من طبنجة رام ماهر من رماة العدو، فهشمت الصورة إلى شظايا، وأرسلت صنم العجوز العذب والأم السيدة إلى خامس جهنم، حينئذ وثب الجندى من المتراس وقد أصابه الجنون من شدة الألم وركض مص بًا سلاحه ضد خنادق العدو، لكن، قبل أن يركض كثيرا، سقطت فوق رأسه سلسلة طلقات نارية أهلكته، هذا ما تقوله قصص الحرب، وقد صوب سلسلة الطلقات هذه جندى ألمانى كان يحتفظ فى جيبه أيضً بصورة أمه العجوز الرقيقة، وبهذه الإضافة تكتمل قصص الأمهات والأوطان وقصص من يموت أو يقتل  بناء على هذه الحواديت.


سمحوا لي أن أكتب وتلقيت ثوبًا نظيفًا، مغسولًا ومكويًا بيد فاوستينا، كان مبللًا بعض الشيء بدموعها، كم نحن شعب عاطفي لم يستطيعوا حتى الآن أن يجففوا ينابيع دموعه.


مصير جوان المنحوس يكمن هنا، ينتظره بساق فوق ساق، هذا هو أكبر عيوب المصائر، لا تفعل شيئًا، فقط تنتظر، لنرى، ونحن من يتحتم علينا فعل كل شيء، مثل تعلّم الكلام، وتعلّم الصمت.


مرت خمسة أيام، حدثت فيها أشياء كثيرة لتروى، لكن التوقف عندها يعد نقطة ضعف في السرد، ففي بعض الأحيان يتحتم القفز فوق الزمن، لأن الراوي فجأة يشعر بعجلة، لا ليختم القصة، فهذا ليس وقته، بل للوصول لواقعة مهمة، لتغيير أرض السرد، والحدث هنا هو قفز قلب جوان المنحوس من مكانه.


فترى البحر فجأة أكبرحجمًا، "آه يا صاحبتى، أهذا إذاً هو البحر؟" وتبتسم صاحبتها التى ذهبت لتنتظرها في تيريرو دوباكو وتعيش في نفس المدينة، تبتسم متفهمة ومتسامحة أمام معرفتها القليلة، وتجيبها بالإيجاب، نعم هذا هو البحر، لكن جهلها يصمت عما تكون حقيقة البحر، فالبحر ليس هذا الشق بين اليابسة، وإنما هو هذا الحنين السائل اللانهائى، هذه الحركة المستمرة لكتل الزجاج والزبد، هذه الصلابة المعدنية التى تتراخي وتتجمد، هذا المكان الذى يحوى الأسماك الكبيرة وحوادث الغرق الفاجعة، البحر هو الشعر.


وفى النهاية قلب الرجل صفحات الدفتر وقال: معك حق، إنه هنا في زنزانة لكن لا يمكنك أن تريه، لقد فاتت ساعة الزيارة. تنفجر فاوستينا المنحوس فى البكاء وهى محقة. إنها عمود يتهدم، ونرى كيف تفتح شقوقه وتتساقط أجزاؤه، له قدمان مجروحتان عمود الوسية هذا، الآن أيضا يمكنها البكاء لهذا السبب، لكل ما عانته في حياتها ومازال ينتظرها لتعانيه، إنه الوقت المناسب لتذرف كل الدموع، ولتبالغي لو أردتى يا فاوستينا، تفتتى فى دموع، ربما بذلك تستطيعين تحريك قلب هؤلاء التنانين الحديدى، وإن كانوا بلا قلب، فمن المحتمل أنهم لا يريدون أن تضايقيهم، ولأنك امرأة مسكينة فلن يطردوك بالركلات، ابكى إذًا، اطلبى رؤية زوجك، اسكتي مرة واحدة يا امرأة، سنرى إن كان هناك أي استثناء، كل ذلك لن يدوم سوى خمس دقائق لكنها كافية للتعبيرعن حنين جارف، ها هو جوان المنحوس قادم يحمل معه الأمل، ورفاقه يقولون له: لابد أنها زوجتك، وحقا ما قالوا: فاوستينا ،جوان، ويتبادلان العناق، وتهرب الدموع من عينى كل منهما، وهو يريد معرفة حال الأولاد،وهى تريد معرفة حاله هو، وفاتت ثلاث دقائق، وهل أنت بصحة جيدة، وأنت كيف حالك، أتعملين، وكيف حال جراثيندا وأميليا، وأنطونيو، أكلكم بخير، لقد أصبحت أكثر نحافة اهتمى بصحتك ولا تمرضي، خمس دقائق، الوداع، ابلغيهم سلاماتي، سلامات كثيرة، ركزي جيداً في الطريق حتى تعرفى العودة، أنا أعرف الطريق الآن، لن أتوه، أنا لم أضل طريقي، الوداع.


هناك من يلبسه حذاءه أو يساعده فى ارتداء قميصه، ينفضون له جاكيته، كما لو كانوا سيرسلون جوان المنحوس لمقابلة البابا، أين رأى منظرا كهذا، إنهم مثل الصبية، كلهم على وشك البكاء، لم يبكوا بعد، لكن المنحوس بكى عندما سألوه: حسنا يا منحوس، لابد أنك لا تملك نقوداً لتعود لبيتك. فأجابهم "رفاقي، معى القليل، لكنني سأرتب أمورى".فبدأوا  في جمع المال، بعضهم دفع خمسة إسكودو ،بعضهم دفع عشرة، وحصدوا بذلك مبلغًا يغطي رحلته ويفيض القليل، والآن حقا، عندما رأى المنحوس أن المال القليل يستطيع أن يخلق الحب الكبير، لم يستطع أن يتمالك دموعه، فيقول: شكرا يا رفاقي ووداعا، حظا سعيداً لكم جميعا، وشكرا أيضًا على كل ما، فعلتموه لأجلى، وكلما خرج أحدهم أقاموا له حفلة  مشابهة، إنها البهجة التى تحدث فى السجن.


فرنسا هي هذا الإزدراء،هذا النظر بتعالٍ، هذا الحديث بسخرية. فرنسا هي هذا الشرطي الذي يأتي ليتحقق من أوراقنا، سطرًا سطرًا، مقارنًا ومستجوبًا، واقفًا على بعد ثلاث خطوات منا لتجنب رائحتنا الكريهة. 


وفي فترة الراحة يتبادلان الرسائل، المنحوس من جبل لافري، وارنانديث من فوينتي بالميرا، رسائل بسيطة، بها أخطاء إملائية ربما في كل كلمة، بحيث إن ما يقرؤه ارنانديث ليس برتغالية صحيحة، ولا ما يقرؤه المنحوس إسبانية صحيحة، إنها لغة مشتركة بينهما، لغة قلة المعرفة وكثرة القول، ويتفاهمان، تفاهم يشبه إيماءات يقوم بها كل منهما من جانبي الحدود، فعلى سبيل المثال، فتح وغلق الذراعين، إيماءة ليس لها معنى سوى العناق، ووضع اليد على القلب، ليس إلا إشارة لحب الخير للآخر ، أما النظر فقط، فعلامة على الكشف، وكلاهما يوقع الرسائل بنفس الصعوبة، بنفس اليد غريبة الشكل التي تجعل من القلم مقبضًا للفأس، لهذا تخرج حروفهما شديدة الوضوح.



وبرغم كل شيء، توجد معجزات، المولودة الجديدة ترقد فوق الملاءة، ضربوها عندما جاءت للدنيا ولم يستلزم الأمر ضربًا كثيرًا لأن فى حنجرتها كانت تتكون بإرادتها أول صرخة في حياتها، وسيتحتم عليها أن تصرخ صرخات أخرى لا يمكن أن يتخيلها أحد اليوم. تبكي بلا دموع، كنوع من ضم الجفون، من التملق الذي قد يثير خوف أحد سكان كوكب المريخ، و مع ذلك قد تجبرنا أن نبكي بلا توقف، ولأنه يوم حار تنيره الشمس الجلية، ولأن الباب مفتوح، يسقط في هذا الجانب من الملاءة نور منعكس، ولا نهتم من أين يأتي، وتكون فاوستينا المنحوس، الصماء لدرجة لا تسمع معها بكاء حفيدتها، هي أول من ترى عينيها. الزرقاوين، مثل عينى جوان المنحوس الشبيهتين بقطرتى ماء سماويتين، ببتلتين مستديرتين من الأورطنسيا، لكن لا شيء من هذه التشبيهات السوقية فهي تشبيهات من لا يعرف الوصف بشكل أفضل، إلا أننا لا يمكن أن نجد وصفًا آخر، حتى لو بذل عشاق صاحبة هاتين العينين ما في وسعهم، إنهما عينان زرقاوان، لا هما بالمائيتين ولا بالسماويتين، ولا هما ماثلتين للون النباتي ولا لون الماء السابح تحت الأرض، إنهما عينان زرقاوان بكثافة ولمعة، مثل عينى جوان المنحوس، وعندما يصل هذا الأخير سنقوم بالمقارنة وحينها سنعرف أية زرقة هذه. في هذه اللحظة تنتبه لهما فاوستينا وحدها، ولهذا تستطيع أن تعلن لها عينان مثل عينى جدها تماما، والمرأتان الآخرينان الداية التي طُعنت فى أولى حقوقها كمولدة، وجراثيندا المنحوس الذئب الغيور على ولده، الأولى والثانية تريد أن تراهما، لكن الداية تسىء استخدام حقها فتقترب وتحجب الرؤية، لهذا تكون جراثيندا آخر من تشاهدهما، ولا يهم، فلديها متسع من الوقت عندما يكون فم طفلتها الماص مربوطا بحلمة ثديها، ولديها متسع من الوقت لتنسى أن تنظر لهاتين العينين الزرقاوين بينما يتدفق لبنها لفم صاحبتهما، نعم، متسع من الوقت تحت هذه القراميد المهترئة، وفي وسط الحقل، وتحت شجرة بلوط، وواقفة عندما لا تستطيع أن تظل جالسة، ومسرعة عندما لا يصح البطء، سيكون لديها متسع من الوقت لتعطى القليل والكثير من هذا الثدى، من هذه الحياة من هذا الدم الأبيض الذي يتكون منه الدم الآخر، الأحمر .


لا يحضر مانويل السيف هدايا لا من هنا ولا من بعيد . يمد يديه وكل واحدة منها كما الزهرة. يقول: جراثيندا، فلا يعرف كلمة أخرى، ويقبلها فى وجنتها قبلة واحدة، لكن هذه القبلة الوحيدة لا نعرف ما كان فيها ليثير في حلقنا غصة، حتى ولو كنا من العائلة، حتى ولو كان لدينا ما نقوله، ما كنا نستطيع، وخلال هذه الإيماءات والهمسات الخاصة تفتح ماريا اديلايدا عينيها، كما لو أنها كانت منتظرة أبيها، إنها أول شطارة لها كطفلة، وترى كتلة كبيرة و يدين ضخمتين مفتوحتين، إنه أبوها، مازالت لا تعرف معنى ذلك، يعرفه مانويل السيف، لدرجة أن قلبه يخفق بداخل صدره، وترتجف يداه الفارغتان، كيف سيحمل تلك الطفلة التى هى ابنته ؟ الرجال حمقاء، وحينئذ تقول جراثيندا المنحوس، إنها تشبهك، ربما، ففى هذه السن بعد ساعات قليلة من الميلاد، لا يتضح شيء، لكن جوان المنحوس محق تماما عندما يعلن هاتان العينان هما عيناى، بينما ينصت أنطونيو المنحوس صامتا لأنه فقط مجرد خال، وفاوستينا الصماء، تخمن كل ما يقال، وتقول: حبى، ولا نعرف لماذا تقول ذلك، إنها كلمات غير مستخدمة في هذه الوسايا، مسألة حياء أو رصانة. 

بعد ساعتين، رغم أن الوقت يبدو كأنه يطير، خرج مانويل السيف من بيته، ينبغي أن يشد خطوته ليصل للعمل قبل طلوع الشمس. يشرع اليراعان اللذان كانا فى انتظاره، فى الطير من جديد، بالقرب من الأرض، لدرجة أن حراس مساكن النمل صرخوا لداخلها معلنين، من كثرة الضوء، أن الشمس طلعت.


فليس وسعى أن أفعل شيئا، فنحن تائهون، ذات مرة، منذ سنوات طويلة، فى ليلة مظلمة كهذه الليلة، ذهب معى أبى، أو ذهبت أنا معه، لنجمع بلوطا لنأكله، لم يكن لدينا شيء في البيت، وكنت أنا رجلا وأرغب الزواج، أخذنا معنا كيسا، ليس بكبير، كيساً مطولاً. وذهبنا معًا من أجل الصحبة لا من ثقل الحمل، وعندما كان الكيس على وشك الامتلاء، ظهر الحرس، فما خطر ببالنا خطر ببال آخرين موجودين هنا، وهذا ليس عارًا، فأخذ البلوط المتساقط على الأرض ليس سرقة، وحتى لو كان سرقة، فالجوع سبب كاف للسرقة، فمن سرق جوعا غفر له مائة عام، أعرف جيدا أن المثل ليس كذلك، لكنه يجب أن يكون هكذا، فلو كنت أنا لصًا لأننى سرقت بعض البلوط، فصاحب البلوط أيضا لص لأنه لم يحرث الأرض ولم يزرع الشجر ولم يشذبه ولم ينظفه، وحينئذ جاء الحرس وقالوا، لا داعى لأن أكرر ما قالوه لأننى لا أتذكره بالضبط، لكنهم سبونا، وقد يبدو أكذوبة أننا احتملنا كل هذه الشتائم، وعندما طلب منهم أبى من أجل حب الله أن يتركوننا نأخذ البلوط الذي جمعناه من الأرض ونسير، أطلقوا قهقهاتهم وقالوا اتفقنا، يمكننا أن نأخذ البلوط لكن بشرط، واسمعوا جميعا الشرط، أن نتعارك أنا وأبى حتى يشاهدوننا، لكن أبي قال إنه لن يتعارك مع ابنه، وأنا لن أتعارك مع أبي، حينها قالوا فلنذهب إذاً للنقطة لندفع الغرامة وربما يضربوننا بالعصى حتى نتعلم أن نعيش مثل الشرفاء، عندئذ وافق أبى على التعارك، فلنتعارك إذاً، واستحلقكم بأغلى ما عندكم يا رفاقى ألا تسيئوا الظن بالعجوز المسكين الذي رحل عن دنيانا، وليغفر الله لى على ما ارتكبت من ذنب، لكن الجوع كان كافرًا، تظاهر أبى حينها أنه يضربنى وتظاهرت أنا أننى أسقط على الأرض، في محاولة منا لخداعهم، هكذا كنا نعتقد، لكنهم قالوا إما أن نتعارك بجد حتى يسيل الدم، وإما أن يسجنونا، لا أعرف كيف أحكى لكم البقية، كان أبي بائسا، وضع شيئًا على عينيه وضربني، تألمت كثيرا، لكن ليس من قوة اللكمة، ورددت له اللكمة بنفس الطريقة، وبعد دقيقة واحدة كنا نحن الاثنين نتمرمغ في الأرض، والحرس يفطس من الضحك، وفي لحظة وضعت يدى على وجه أبى فلاحظت أنه مبتل، لكن ليس بالعرق، فجن جنوني، أمسكته من كتفيه ونفضته كما لو كان ألد أعدائى، وهو من تحتى، كان يسدد لي اللكمات فى صدرى، إلى أين نريد أن نصل؟والحرس لا يزالون يضحكون، كانت ليلة مظلمة مثل هذه وكان البرد يكسر العظم تحت اللحم، وكنا في وسط الحقل، فلم نجد من يرفع أحجاراً، ربما خلق الرجال من أجل ذلك، وعندما انتبهنا كنا بمفردنا، فقد رحل الحرس أعتقد لاحتقارهم إيانا، وهذا ما كنا نستحقه، حينئذ شرع أبى فى البكاء وأنا هدأته كما لو كان طفلاً، وأقسمت أنني لن أروى ما حدث لأحد أبدا، لكننى اليوم لا أستطيع أن أغلق فمى، أنا لم آت من أجل قضية الثماني ساعات والأربعين اسكود،و بل جئت لأننا يجب أن نفعل شيئا حتى لا نستمر فى هذه العيشة، مذلولين، جئت لأن الحياة بهذا الشكل ليست عادلة، رجلان يتعاركان، أب وابن، حتى ولو لم يكونا أبا وابنا، فيكفى أنهما يتعاركان، ونحن عزل، لن نكون رجالا لو لم ننهض هذه المرة من الأرض، ولو لم يكن من أجلى، فليكن من أجل أبي، الذي رحل عن دنيانا ولن يحيا حياة أخرى، إنه عجوز، مسكين، أتذكر أننى ضربته، بينما كان الحرس يضحكون كأنهم سكارى، لو كان هناك إله لظهر في تلك اللحظة" . عندما صمت هذا الصوت نهض الرجال جميعهم، ولم يحدث حوار آخر، وسار كل منهم في طريقه، بخطى ثابتة مثل خطى الأول من مايو من أجل الثماني ساعات والأربعين اسكودو، ومع ذلك، وبعد مرور سنوات طوال، لم يعرف أحد من هذا الذي تعارك مع أبيه. كلما كان الألم عميقاً، لا تحتمل العين رؤيته


 كالنار في الهشيم، انتشرت هذه الكلمات وكلمات أخرى فى الوسية، لكن ليست حكاية العراك، فهذه لا يصدقها أحد، مع أنها حقيقة محققة، وفي جبل لافرى أيضًا عقدوا اجتماعات توحدوا فيها واتفقوا، فلو كان هناك أفراد جبناء، هناك أيضا شجعان بحيث عندما جاء الأول من مايو كان كل شيء مقررا وأكثرهم جبنا كانوا ينضمون لمن يبدى شجاعة، فى الحروب أيضا يحدث ذلك، كما يشرح من عاشها.


ما رأيك يا أب أجاميديس؟، هذا سؤال عادة ما جاء مصحوبًا بجواب، ودائمًا الجواب يناسب الجميع فحيطة الكنيسة لا نهاية لها، فالأب أجاميديس، لكونه عبد الله الفقير المرسل للوسية لتنصير الأرواح، ولأنه يعرف كثيرا عن الحيطة والكنيسة، يقول هذه الدنيا ليست مملكتنا. اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله .لقد خرج الزارع للحقل، فعندما يكون الأمر مشتبها فيه يخرج الأب أجاميديس كما الشعرة من العجين، يتحدث بالأمثال، فقط ليكسب الوقت حتى تأتى الأوامر من الأسقف.



Comments

Popular posts from this blog

The God Of Small Things

101 Things I Learned in Architecture School

Understanding Power: The Indispensable Chomsky